أربع ركائز أساسية لخلق بيئة مبتكرة ... أولاها الثقافة د.خالد محمد الخزرجي

لا أخفي مدى فخري الدائم بأصحاب الأعمال في مجتمعنا. فهم يجسدون مثالاً ساطعاً ومشرفاً لأصحاب أعمال ومديرين، نجحوا خلال الخمسين سنة الماضية في خلق وتطوير شركات تجارية ناجحة إدارياً ومهنياً.

ويزداد فخري عندما أرى الدور الريادي لهذه الشركات في السوق الخليجية والإقليمية. إذ لديهم ما يكفي من روح ريادة الأعمال بما يؤهلهم ليكونوا رواداً في مجال عملهم.

مع ذلك، وبالمقارنة مع الدور المفترض لرواد الأعمال، فإن ما يقومون به لا يرقى لدرجة إحداث تأثيرات كبيرة على حياة الناس والمجتمع.

 فإذا قارنا عطاءهم مع أفراد مثل هنري فورد (1863 ـ 1947) الذي طور تقنية خط التجميع لإنتاج السيارات المعاصرة بكميات كبيرة، ما أحدث ثورة في وسائل النقل في جميع أنحاء العالم، أو جي آر سيمبلوت (1909 ـ 2008) الذي يعود إليه الفضل كرائد لتجارة البطاطس المقلية المجمدة في أواخر أربعينيات القرن الماضي، والذي جعل من البطاطا المقلية وجبة لا تكاد تغيب عن كل طاولة طعام في كل مجتمع في العالم بغض النظر عن نوعية وطريقة غذائه المحلي، أو بيل غيتس الذي طور برنامج نظام التشغيل في أسواق أجهزة الكمبيوتر الشخصية الناشئة حديثاً، بما غيّر ـ وإلى الأبد ـ الطريقة التي نمارس بها الحوسبة، هذه المقارنة ستؤكد لنا أن الطريقة التي يعمل بها أصحاب الأعمال في مجتمعنا لا ترقى، إلى حد كبير، إلى طموحات رواد الأعمال المذكورين.

على الرغم من أن لدينا أمثلة ممتازة لشركات ناجحة، فما يزال من الصعب القول إن الشركات التجارية في مجتمعنا تقوم بابتكار أو تطوير منتجاتها وخدماتها الخاصة، إذ تكاد تنعدم لدينا ثقافة الاختراع والابتكار.

ويكتفي معظم هذه الشركات بلعب دور الموزعين أو الوكلاء أو أصحاب الامتيازات للمنتجات والخدمات الأجنبية. وبما أن الكثير منهم يمثلون ويسوّقون ماركات عالمية معروفة ومرغوبة، فهم سعداء بما لديهم. لماذا، إذن، يكلفون أنفسهم عناء الإبداع والابتكار؟

إن من أهم ما يدفع الشركات العالمية لخلق وتطوير منتجاتها وخدماتها الخاصة هو التحديات التي تواجهها عندما تصل هذه المنتجات والخدمات إلى مرحلة النضوج، أو عندما تتقلص الفرص في الأسواق التي يعملون بها وتصبح محدودة.

 

مثل هذه التحديات عادةً ما تجبر الشركات على البحث عن فرص أخرى، ومن ثم الأخذ بعين الاعتبار أمر إبتكار منتجات جديدة أوتطوير منتجاتها الحاليةـ هذه التحديات وإلى حد كبير لا وجود لها في أسواقنا المحلية. والسبب هو أن أسواقنا تعيش مرحلة نمو مستمر، ويدعمها ـ بالمقابل ـ معدل نمو سكاني مرتفع ومستمر.

هذا الوضع أدى إلى اعتماد مفرط على المنتجات والخدمات الأجنبية. ويمكن أن تكون لهذه الاتكالية عواقب سلبية على المجتمع والأمن القومي.

والواقع أننا نشهد حالياً جانباً من هذه الآثار السلبية في مجتمعنا، حيث أصبح لدى البعض شهية للاستهلاك أكبر منها للإنتاج. كما أنها تحد من قدرة المجتمع بشكل عام، وقدرة العلماء وأصحاب الأعمال والباحثين بشكل خاص، على الإبداع والإبتكار.

العامل الآخر والأهم الذي يقود إلى تشجيع الابداع والابتكار؛ ليس فقط لأصحاب الأعمال وإنما لجميع فئات المجتمع وبالذات الشباب منهم؛ هو توفير بيئة داعمة للابتكار.

هذه البيئة يجب أن تكون الحكومة هي المتصدّرة لأمور المبادأة فيها، ومن ثم تدعمها المؤسسات المساندة، وتدريجياً ينخرط فيها بقية أفراد المجتمع، بمن فيهم أصحاب الأعمال أو طلبة المدارس والجامعات أو الأساتذة والباحثون. والركائز الأساسية لهذه البيئة هي الثقافة، وكفاءة رواد الأعمال، والمؤسسات الداعمة، والتمويل، وذلك على نحو ما سنفصله في ما يلي:

أولاً، إن ثقافة بلدٍ ما تشكل بعداً هاماً وذا تأثير مباشر على كل متغير في بيئة الأعمال. لهذا يجب التأسيس لثقافة داعمة للابتكار. هذه الثقافة يجب أن تروّج لحرية التفكير التي تسمح لأفراد المجتمع باستخدام خيالهم والتخلص من سطوة عاداتهم اليومية وأعرافهم، دون إحساس بالذنب أو العار.

ثانياً، يجب العمل على تنمية وتطوير بعض الصفات في رواد الأعمال الواعدين للإرتقاء بكفاءاتهم الإبداعية، مثل الخبرة والحافز والتعليم، وهي صفات ستزيد من قدراتهم على الإبداع والابتكار. ويجب على الحكومه تشجيع ومساندة بيئات العمل، بما فيها مؤسسات القطاع العام والخاص التي تثريها هذه الصفات وتزيد من خصوبتها.

ثالثاً، إن تطور وكفاءة النظم المؤسسية، من قبيل النظم التعليمية والمالية والإدارية والقانونية والتنظيمية، تشكل دعماً أساسياً للعملية الابتكارية.

أما الركيزة الأخيرة وهي التمويل، فهي أمر ضروري لكل المساعي المتعلقة بإقامة مشاريع تجارية. وهذا يتطلب التشجيع، سواء من خلال الحوافز أو اللوائح، للمستثمرين مثل أصحاب رؤوس الأموال أو المستثمرين الممولين والجهات المقرضة مثل البنوك، لتكون على استعداد للاستثمار في أفكار مبتكرة جديدة.

إلى أي مدىً توجد مثل هذه البيئة في مجتمعنا؟ وإلى أي حد تساعد ركائزها المذكورة في رفد عملية الابداع والابتكار، وإلى أي حد تعوقهما؟ في المقالات القادمة سوف نستعرض كل ركيزة من هذه الركائز، وسوف نناقش وضعها في مجتمعنا ونوعية عطائها، سلباً أو إيجاباً.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

نقلا عن جريدة البيان اليومية الإماراتية، ورابط المقال

http://www.albayan.ae/opinions/articles/2013-05-12-1.1881734

الموضوعات الأكثر قراءة