Contact Us!

الصناعة ومشاكلها

loading...

مؤسسات أكاديمية

loading...

loading...

دوار الابتكار

loading...

 

هل أخفق ابن فرناس؟ الإجابة، بلا شك، هي: أجل! ولكنه اخفاق إيجابي ـ إن صحّ التعبير. فعلى المستوى العام سجّل ابن فرناس اسمه كأول طيار في التاريخ. يُضاف إلى ذلك أن محاولته الجنونية للطيران أسفرت عن إضافة معلومة مهمة مهّدت لتطوير متسارع في هندسة الطيران في العالم؛ وهي المعلومة التي تفيد بضرورة أن يكون للطائرة "ذيل" يساعدها على الهبوط، وإلا سقطت عند الهبوط كما سقط ابن فرناس!

وللشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مقولة بهذا المعنى في كتابه "ومضات من فكر" حيث يقول إن "السقوط يدفعك خطوة إلى الأمام" وإن "أكبر مخاطرة في حياة الإنسان هي ألا يخاطر".

لماذا، إذاً، يخاف الناس من السقوط، ولماذا لا يخاطرون؟ لماذا الإفراط في الحذر، ولماذا التردد وتقديم رجل وتأخير أخرى في كل خطوة؟ لماذا لا نخطو ونتقدم؟ لماذا لا نخاطر ونبتكر؟ بل لماذا لا نحاول ... ونسقط؟

في الواقع، لا أريد أن ألقي بالمسؤولية كاملةً على كاهل الأفراد العاديين، ولو أنهم يتحملون جزءا كبيراً كونهم آباءً وطلاباً ومعلمين وعاملين ومسؤولين وأصحاب عمل. ولكن الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب توفير المتطلبات الأساسية للابتكار ولخلق مشاريع ناجحة، مثل نوعية الثقافة، وكفاءة رواد الأعمال، ودور المؤسسات الداعمة، ومدى توفير نظام للتمويل. وكما وعدت سابقاً بمناقشة كل عامل من هذه العوامل على حدة في المقالات القادمة، فسنكمل نقاشنا اليوم عن العامل الأول والرئيسي وهو الثقافة.

منذ ظهور الإسلام وصفحات التاريخ العربي الإسلامي مليئة بالغزوات والفتوحات والابتكارات والاستكشافات، مدعومة بثقافة لم تكن تعرف الخنوع أو الخضوع أو الإنقياد. كانت ثقافة إثراء وإبداع وانفتاح يقودها فكر العلماء وسلوك التجار ومغامرات المستكشفين.

لا شك أن هذا النجاح لم يقلب الموازين فحسب، وإنما غير التاريخ والتركيبة الثقافية للكرة الأرضية.. إلى الأبد. وتعود بداية هذا التغيير إلى عهد الخلفاء الراشدين الذين قضوا على أكبر إمبراطوريتين في ذلك الوقت، وهما الروم والفرس.

وكان من الثمار المرّة لهذا النجاح خلقُ أعداء للمسلمين والعرب، أصبحوا يتربصون بهم الدوائر ويتحيّنون الفرص للأخذ بثأرهم في يوم من الأيام. وقد كان لهم ذلك.

بحلول أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كانت ثقافة المسلمين العرب قد مرت بتغيرات اجتماعية وسياسية هائلة.

ويعزى ذلك إلى سلسلة من خيبات الأمل السياسية والاقتصادية والاجتماعية مرت بها المنطقة العربية، مثل سقوط الإمبراطورية العثمانية الإسلامية، واستعمار الدول العربية من قبل الدول الأوروبية، وصعود حكومات استبدادية بالتزامن مع تصاعد الصراعات الدولية على المنطقة.

وكان أن تكالبت علينا الأمم وتداعت كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، ومُزّقنا إلى دويلات وأُدخلنا في نفق التخلف والجهل والخرافة. وهذا، بدوره، أدى إلى تدهور تدريجي في نوعية الحياة والتعليم والرعاية الصحية، وارتفاع مضطرد في مستويات الأمية والفقر.

وأحس الناس في المنطقة أن قوى التغيير تعمل حثيثاً على إضعافهم، متوسّلةً في ذلك بتغيير معتقداتهم وثقافتهم وقيمهم وعاداتهم ولغتهم. وقتذاك، إنقاذاً لما يمكن إنقاذه، وحتى لا يفقدوا الكثير مما حققوه، شرعت المجتمعات العربية في بناء آليات دفاعية أدت بهم ليصبحوا، تدريجياً:

منحازين أكثر مما يجب لمعايير حياتهم اليومية، وثقافتهم وقيمهم ومعتقداتهم.

منغلقين على أنفسهم أكثر مما يجب، تحسّباً لتأثير محتمل قد تمارسه القوى الخارجية على معتقداتهم وثقافتهم، ويدخل في ذلك الأفكار الأجنبية والاختراعات ووسائل الإعلام.

"إسلاميين" أكثر من اللازم، حيث نصّب كثير منهم نفسه حامياً للإسلام من أية أفكار لا تحظى بشعبية، بما فيها تلك التي قد يراها البعض غريبة أو جديدة، وإن لم تكن بالضرورة متعارضة مع التعاليم الإسلامية.

ونتيجة لذلك بدأت المجتمعات العربية بوجه عام تنظر إلى التغيير، باعتباره واحداً من اتجاهات ثلاثة:

عيباً: إذا كان يمس الأعراف الاجتماعية.

حراماً: إذا كان يمس القضايا الإسلامية.

مشبوهاً: مع احتمال أن تكون هناك مؤامرة مصاحبة للتغيير أو الابتكار أو الاختراع القادم من خارج الحدود.

وبينما أصبحت هذه الاتجاهات تشكل سماتٍ ثقافية واسعة الانتشار، ليس فقط بين الأشخاص العاديين وإنما بين المثقفين (وما أكثر الصفحات التي سُوّدت في مساندة هذا الاتجاه)، والسياسيين (وما أكثر التنظيمات والأحزاب السياسية التي تريد الإبقاء على هذا الاتجاه)، شكلت هذه الاتجاهات، في الوقت نفسه، عقلية تفكر في إطار منغلق وترفض التغيير، ومن ثم تعوق الابداع والابتكار.

وذلك بأن بذرة الابتكار والإبداع تبدأ بفكرة تقوم على مساءلة سلوك أو ظاهرة أو فكرة معينة في المجتمع، ومن ثم تعمل على استنباط حلول من زوايا ووجهات نظر جديدة. ومما لا مراء فيه أن طبيعة المواقف والإتجاهات التي طوّرها العرب منذ عشرات السنين ولا تزال سائدة في مجتمعاتنا، تحد من قدرة الأفراد على التفكير والإبداع.

في الواقع، من الصعب الحكم سلباً أو إيجاباً على أفكار وسلوكيات تكونت قبل أكثر من قرن بفعل ظروف إجتماعية وسياسية واقتصادية معينة.

فربما كان العرب محقين بخلق الدفاعات والاتجاهات التي ذكرناها آنفاً، بالرغم من عدم توفّر أدلة قوية تثبت أن هذه الدفاعات والاتجاهات قد أفادت العرب في تلك الحقبة.

ولكن الخطأ الأكبر الذي وقعنا فيه هو، باعتقادي، تبني هذه الآليات لتصبح أسساً رئيسية لقيمنا وديننا وحياتنا اليومية، حتى باتت متجذّرةً فينا وأصبحت اليوم تشكل عائقاً في سبيل التغيير والتقدم.

إن ما تبناه العرب من دفاعات واتجاهات قبل أكثر من قرن لم يعد اليوم يتمتع بنفس الدرجة من القبول، بل بات سلاحاً يستخدم لإبقائنا في نفس الدوامة، ندور فيها مكرهين ولا يسمح لنا بالخروج منها.

وعندما يحين ذلك اليوم الذي نتحرر فيه من سطوة تلك الدوامة، يومها سيبرأ الوطن العربي المعتل وتعود له عافيته. ولعلّ مما يثلج الصدر ويبعث على الأمل أن الآليات الكفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها يجري استخدامها على نطاق واسع ... وبفاعلية، كما أن بوادر التعافي بدأت بالظهور على الجسد العربي المنهك.

ويبقى القول إن ثقافة الامتثال، ورغم كل ما ذكرناه، تظل لها إيجابياتها. كل ما علينا هو استغلال تلك الإيجابيات لخلق مجتمع مبتكر ومؤثر. وهذا ما سوف نذكره في المقال القادم، إن شاء الله.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نقلا عن جريدة البيان اليومية الإماراتية، ورابط المقال

http://www.albayan.ae/opinions/articles/2013-05-26-1.1891186

شبكة الإعلاميين العلميين

 
انضم لنا .. للمشاركة في صناعة مجتمع واقتصاد المعرفة العربي
 

الموضوعات الأكثر قراءة

المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا

 
انضم إلى أكثر من 30 ألف عالم وباحث ورائد أعمال
 

صناع الرأي: أهم الآراء

loading...

آراء الكتاب

loading...